الشيخ عبد الغني النابلسي
155
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
ذكرهما سليمان في الاسمين اللّذين تفسيرهما بلسان العرب الرّحمن الرّحيم . فقيّد رحمة الوجوب وأطلق رحمة الامتنان في قوله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] حتّى الأسماء الإلهيّة ، أعني حقائق النّسب . فأمتنّ عليها بنا . فنحن نتيجة رحمة الامتنان بالأسماء الإلهيّة والنّسب الرّبانيّة . ثمّ أوجبها على نفسه بظهورنا لنا وأعلمنا أنّه هويّتنا لنعلم أنّه ما أوجبها على نفسه إلّا لنفسه . فما خرجت الرّحمة عنه . فعلى من امتنّ وما ثمّ إلّا هو ؟ إلّا أنّه لا بدّ من حكم لسان التّفضيل لما ظهر من تفاضل الخلق في العلوم ؛ حتّى يقال إنّ هذا أعلم من هذا مع أحديّة العين . وليس غرضنا من ذكر هذه المسألة في هذا المحل إلا الكلام والتنبيه للأفهام على الرحمتين اللتين ذكرهما سليمان عليه السلام في كتابه إلى بلقيس في الاسمين اللذين تكلم بهما كيفية الكتاب بلسانه وهو لسان بني إسرائيل العبرانية . وقد أنزل اللّه تعالى على نبينا العربي صلى اللّه عليه وسلم تفسيرهما بلسان العرب كباقي الكتاب بلفظ الرحمن الرحيم فقال تعالى : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) [ النمل : 30 ] ، فقيّد ، أي الحق تعالى رحمة الوجوب وهي رحمة الرحيم كما قال : وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [ الأحزاب : 43 ] ، وقال : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [ الأعراف : 156 ] الآية . وقال : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 54 ] ، « فمن عرف نفسه فقد عرف ربه » « 1 » فكان هو الرحمة المكتوبة على النفس الإلهية بسبب الإيمان ؛ ولهذا قيل : « وسعني قلب عبدي المؤمن » « 2 » ، لأنه مكتوب عليه فيسعه كما أن الحروف المكتوبة في القرطاس تسع مقدارها مما هي قائمة به من القرطاس وأطلق سبحانه رحمة الامتنان وهي رحمة الرحمن في قوله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فلم يقيدها بشيء دون شيء حتى أنها وسعت الأسماء الإلهية التي نحن قائمون بها أعني بالأسماء الإلهية حقائق النسب جمع نسبة الإلهية الوجودية كالخالق والبارىء والمصوّر والمحيي والمميت إلى غير ذلك . فامتن سبحانه برحمة الرحمن التي استوى بها على العرش وجميع ما حواه
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .